الحث على لزوم العلم والمداومة على طلبه | المنتقى من روضة العقلاء (ابن حبان)

الحث على لزوم العلم والمداومة على طلبه | المنتقى من روضة العقلاء (ابن حبان)
أدب الطلب والحكمة • أدب إسلامي

ذِكْرُ الحَثِّ عَلَى لُزُومِ العِلْمِ وَالمُدَاوَمَةِ عَلَى طَلَبِهِ

عن زر بن حبيش قال: أتيت صفوان بن عسال المرادي، فقال: ما جاء بك؟ قلت: جئت أبتغِ العلم، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من خارجٍ يخرجُ من بيتِهِ يطلُبُ العلمَ إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضًا بما يصنعُ»¹.

الواجب على العاقل إذا فرغ من إصلاح سريرته أن يثني بطلب العلم والمداومةِ عليه؛ إذ لا وصول للمرء إلى صفاء شيء من أسباب الدنيا إلا بصفاء العلم فيه، وحكم العاقل أن لا يقصر في سلوك حالةٍ توجب له بسط الملائكة أجنحتها رضًا بصنيعه ذلك، ولا يجب أن يكون متأملًا في سعيه الدنوَّ من السلاطين أو نوال الدنيا به فما أقبح بالعالم التذلُّل لأهل الدنيا.

قال الفضيل بن عياض² : «ما أقبح بالعالم يؤتى إلى منزله فيقال: أين العالم؟ فيقال: عند الأمير (3) أين العالم؟ فيقال: عند القاضي ما للعالم وما للقاضي؟ وما للعالم وما للأمير؟ ينبغي للعالم أن يكون في مسجده يقرأ في مصحفه».

وأنشدني محمد بن محمد بن عبد الله بن زنجي:

وفـي العـلـمِ والإسـلامِ لــلــمــرءِ وازعٌ ... وفي تـرك طـاعــاتِ الـفُــؤادِ المُتــيَّــمِ
بــصـــائـرُ رشــــدٍ لـلـفـتـى مـسـتـبـيـنــةٌ ... وأخــلاقُ صــــدقٍ عِـلـمُــهـــا بـالـتَّــعَــلُّــمِ

العاقل لا يبيع حظ آخرته بما قصد في العلم لما يناله من حطام هذه الدنيا؛ لأن العلم ليس القصد فيه نفسه دون غيره؛ لأن المبتغى من الأشياء كلها نفعها لا نفسها، والعلم ونفع العلم شتان، فمن أغضى عن نَفْعه لم ينتفع بنفسه وكان كالذي يأكل ولا يشبع.

والعلم له أَوَّلٌ وآخِر.

قال سفيان ³ : «أول العلم الإنصات، ثم الاستماع، ثم الحفظ، ثم العمل به، ثم النشر».

وأنشدني الأبرش:

تَـعَـلَّـمْ فـلـيـسَ الـمــرءُ يُـــولَـــدُ عـــالِـــمًـــا ... ولـيــسَ أخـــو عِـــلـــمٍ كــمـــن هـــو جــاهِــلُ
وإنَّ كَــبِــيــرَ الــقَـــوْمِ لا عِـــلْـــمَ عِــنْــدَه ... صَــغِــيــرٌ إِذَا الْــتَــفَّــتْ عَــلَــيْــهِ الـمَـحَــافِــلُ

العاقل لا يشتغل في طلب العلم إلا وقصده العملُ به؛ لأن من سعى فيه لغير ما وصفنا ازداد فخرًا وتجبرًا وللعمل تركًا وتضييعًا، فيكون فساده في المتأسين به فيه أكثر من فساده في نفسه، ويكون مثله كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ ⁴.

أنشدني أحمد بن محمد الصنعاني أنشدني محمد بن عبد الله العراقي:

غُـــنُـــوا يــطــلــبـــون الـعــلــم فـــي كـــل بــلـــدةٍ ... شـــبــــابًــــا فــلــمَّـــا حَـــصَّــلُــــوا وحَـــشَــرُوا
وصَـــــحَّ لــهـــم إِسْــنَــــادُهُ وأُصُــــولُـــــــهُ ... وصَـــاروا شُــيُـــوخًـــا ضَـــيَّـــعُـــوهُ وأَدْبَـــرُوا
ومَـــالُـــوا عـلـى الــدُنْــيَــا فَــهُــمْ يـحـلــبُـــونَـهــا ... بـأَخْـــلاقِــهَـــا مَـفْــتُـــوحَـــةً لا يُـــصَـــرَّرُ
فـيَــا عُــلَــمَــاءَ الــسُّــوءِ أَيْـــنَ عُــقُــولُـــكُــمْ ... وأَيْــــنَ الــحَـــدِيثُ الـمُــسْــنَـــدُ الـمُــتَــخَـــيَّــرُ ⁵

يجب على العاقل ألا يطلب من العلم إلا أفضله؛ لأن الازدياد من العلم أثر عند العاقل من الذكر بالعلم.

  • والعلم زينٌ في الرخاء ومنجاةٌ في الشدة.
  • ومن تعلَّم ازداد كما أن من حَلُمَ ساد.
  • وفضل العلم في غير خير مهلكة، كما أن كثرة الأدب في غير رضوان الله موبقة.

والعاقل لا يسعى في فنونه إلا بما هو أجدى عليه نفعًا في الدارين معًا، وإذا رُزِق منه الحظ لا يبخل بالإفادة، وما رأيت أحدًا قط بخل بالعلم إلا لم ينتفع بعلمه، وكما لا يُنتفع بالماء الساكن تحت الأرض ما لم يَنْبُع، ولا بالذهب الأحمر ما لم يُستخرج من معدنه، ولا باللؤلؤ النفيس ما لم يخرج من بحره، كذلك لا ينتفع بالعلم ما دام مكنونًا لا يُنشر ولا يفاد ⁶.

قال أبو الدرداء رضي الله عنه: «الناس عالمٌ ومُتعلِّمٌ ولا خَيْرَ فيما بين ذلك».

وأنشدني الكُرِيزِي:

أَفِــدِ الــعِــلْــمَ ولا تَــبْـــخَـــلْ بـِــهِ ... وإلـى عِــلْــمِــكَ عِــلْــمًـــا فَــاسْـــتَــفِـــدْ
اســتَــفِــدْ ما اسْـتَــطَــعْــتَ من عـلـمٍ وكُـنْ ... عـــامِـــلًا بــالــعِـــلْـــمِ والــنَّـــاسَ أَمِـــدْ
مَـــنْ يُـــفِـــدْهُـــمْ يَـــجْـــزِهِ اللهُ بـــهِ ... وسَــيُــغْــنِــي اللهُ عَـــمَّـــنْ لـــمْ يُــفِـــدْ
لَــيْــسَ مَــنْ نَافسَ فــيـــهِ عَــاجِـــزًا ... إِنَّـــمَـــا الـــعَـــاجِـــزُ مَـــنْ لا يَــجْــتَــهِــدْ
***

(1) حديث حسن. وقد رواه أحمد (4/ 239-240) وغيره. وانظر: «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين» (1/ 427-430) لشيخنا الوادعي رحمه الله.

(2) هو الفضيل بن عياض الإمام القدوة شيخ الإسلام أبو علي التميمي اليربوعي المروزي شيخ الحرم. «تذكرة الحفاظ» (1/ 18).

(3) وإني لأعجب لطلبة علم هذا هو ديدنهم، وبهذا صُرفوا عن العلم وأهله، وإذا حضروا حلق العلم يحضرون في كل شهر مرة أو مرتين وهم بهذا يغالطون أنفسهم.

(4) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الإمام شيخ الإسلام سيد الحفاظ أبو عبد الله الثوري. «تذكرة الحفاظ» (1/ 152)، وانظر: «الجامع» (1/ 292-293) للخطيب.

(5) سورة النحل الآية: 25.

(6) رحم الله شيخنا الوادعي، كان كثيرًا ما يأمر بعض طلبة العلم أن يقول هذه الأبيات بصوت مرتفع أمام طلبة العلم ليُحذّرهم من مغبة الانصراف عن العلم والإقبال على الدنيا، بل جعل هذه الأبيات من محفوظات دار الحديث بدماج رحم الله أبا عبد الرحمن، وحفظ تلكم الدار والقائمين عليها من كيد أعدائها.

🌐 تابع منصاتنا ومجتمعاتنا الرسمية

للمزيد من الكتب الحصرية، وأحدث الاقتباسات والمقالات الهادفة ؛ يسعدنا جداً انضمامكم إلى مجتمعاتنا عبر التطبيقات التالية:

تعليقات
تقييم القراء: