في حضور مجالس العلم وأدب التناظر | ابن حزم الأندلسي

في حضور مجالس العلم وأدب التناظر | ابن حزم الأندلسي
أخلاق العلم وأدب الطلب • آداب وأخلاق

فِي حُضُورِ مَجَالِسِ العِلْمِ

[٢٤٧] إذا حضرتَ مجلسَ علمٍ فلا يكنْ حضورُك إلا حضورَ مستزيدِ علماً وأجراً، لا حضورَ مستغنٍ بما عندكَ، طالبِ عثرةٍ تشيعها، أو غريبةٍ تُشنّعها، فهذه أفعالُ الأرذالِ الذين لا يُفلحون في العلمِ أبداً.

فإذا حضرتها على هذه النية فقد حصلتَ خيراً على كل حالٍ، فإن لم تحضرها على هذه النية فجلوسُك في منزلكَ؛ أروحُ لبدنك، وأكرمُ لخُلقِك، وأسلمُ لدينِك.

[٢٤٨] فإذا حضرتها - كما ذكرنا - فالتزم أحدَ ثلاثةِ أوجهٍ، لا رابعَ لها، وهي:

  • إمّا أن تسكتَ سكوتَ الجُهّالِ فتحصلَ على أجرِ النيةِ في المشاهدة، وعلى الثناءِ عليك بقلةِ الفضول، وعلى كَرَمِ المجالسة، ومودةِ من تُجالس.
  • فإن لم تفعل ذلك؛ فاسألْ سؤالَ المتعلم، فتحصلَ على هذه الأربع المحاسن، وعلى خامسةٍ؛ وهي استزادةُ العلم.

وصفةُ سؤالِ المُتعلّمِ هو أن تسألَ عمّا لا تدري، لا عمّا تدري، فإنّ السؤالَ عمّا تدري سُخفٌ وقلةُ عقلٍ، وشُغلٌ لكلامك، وقطعٌ لزمانِك، بما لا فائدةَ فيه؛ لا لك ولا لغيرك، وربّما أدى إلى اكتسابِ العداوات، وهو - بَعْدُ - عَيْنُ الفُضول، فَيَجِبُ عليك ألا تكونَ فُضوليّاً؛ فإنها صفةُ سوء.

فإن أجابك الذي سألتَ بما فيه كفايةٌ لك فاقطعِ الكلامَ، وإن لم يُجبك بما فيه كفايةٌ، أو أجابك بما لم تفهم فَقُل له: لم أفهم. واستزِدهُ. فإن لم يَزِدْكَ بياناً، وسَكَتَ، أو أعاد عليك الكلامَ الأول، ولا مَزيدَ؛ فأمسِك عنه، وإلا حصلتَ على الشرّ، والعداوةِ، ولم تحصلْ على ما تريدُ من الزيادة.

والوجهُ الثالثُ؛ أن تُراجعَ مراجعةَ العالم، وصفةُ ذلك أن تعارضَ جوابه بما ينقضُهُ نقضاً بيّناً، فإن لم يكن ذلك عندك، ولم يكن عندك إلا تكرارُ قَولِك، أو المُعارضةُ بما لا يراهُ خَصْمُك معارضةً فأمسِك، فإنك لا تحصلُ - بتكرار ذلك - على أجرٍ زائدٍ، ولا على تعليمٍ، ولا على تعلُّم، بل على الغَيْظِ لك، ولِخَصْمِك، والعداوةِ التي رُبّما أدّت إلى المُضِرّات.

[٢٤٩] وإيّاك وسؤالَ المُعْنِتِ، ومراجعةَ المُكابِرِ، الذي يطلبُ الغلَبةَ بغيرِ علمٍ، فهما خُلُقاً سوء، دليلان على قِلّةِ الدّين، وكَثْرَةِ الفُضول، وضَعْفِ العَقْل، وقُوّةِ السُّخْفِ، وحَسْبُنا الله ونِعْمَ الوكِيل.

[٢٥٠] وإذا وردَ عليكَ خطابٌ بلسانٍ، أو هَجَمْتَ على كلامٍ في كتابٍ، فإيّاك أن تُقابِلَهُ مقابلةَ المُغاضَبَةِ الباعثةِ على المُغالَبَةِ قبلَ أن تَتَيَقَّنَ بطلانَهُ ببرهانٍ قاطع. وأيضاً؛ فلا تُقْبِلْ عليه إقبالَ المُمَصّدِّقِ به، المُسْتَحْسِنِ إيّاه قبلَ عِلْمِكَ بصِحّتِهِ ببرهانٍ قاطع، فتَظْلِمَ في كلا الوجهينِ نَفْسَك، وتَبْعُدَ عن إدراكِ الحقيقة، ولكنْ أَقْبِلْ عليه إقبالَ سالمِ القلبِ عن النِّزاعِ عنه، والنُّزوعِ إليه، لكنْ إقبالَ مريدٍ حَظَّ نَفْسِهِ في فَهْمِ ما سَمِعَ ورأى، والتَّزَيُّدِ به علماً، وقَبُولِهِ إن كان حَسَناً، أو رَدِّهِ إن كان خطأً، فمضمونٌ لك - إذا فعلتَ ذلك - الأجرُ الجزيلُ، والحَمْدُ الكثيرُ، والفضْلُ العَمِيمُ، مع الوقوفِ على الحقيقةِ في أغلبِ الأمر.

[٢٥١] من اكتفى بقليلِهِ عن كثيرِ ما عندك؛ فقد ساوَاك في الغنى، ولو أنك قارونُ، حتى إذا تصاوَنَ في الكَسْبِ عن ما تَشْرَهُ أنتَ إليه فقد حصلَ أغنى منك بكثير. ومن ترفَّعَ عمّا تخضعُ إليه من أمورِ الدُّنيا؛ فهو أَعَزُّ منك بكثير.

[٢٥٢] فَرْضٌ على الناسِ تعليمُ الخَيْرِ، والعملُ به، فمَنْ جمعَ الأمرينِ [جميعاً] فقد استوى الفضيلتينِ معاً، ومن عَلِمَهُ ولم يَعْمَلْ به؛ فقد أحسنَ في التعليم، وأساءَ في تركِ العملِ به، فَخَلَطَ عملاً صالحاً، وآخرَ سيّئاً، وهو خيرٌ من آخرَ لم يعلمْ ولم يعملْ به، فهذا الذي لا خيرَ فيه؛ أمثلُ حالةً، وأقلُّ ذمّاً؛ من آخرَ ينهى عن تعليمِ الخَيْرِ، ويَصُدُّ عنه.

[٢٥٣] ولو لمْ يَنْهَ عن الشَّرِّ إلا من ليس فيه منه شيءٌ، ولا أَمَرَ بالخيرِ إلا من استوعبَهُ؛ لما نهى أحدٌ عن شَرٍّ، ولا أَمَرَ بخيرٍ بعد النَّبيِّ ﷺ. وحَسْبُكَ بمن أدى رأيُهُ إلى هذا فساداً، وسوءَ طَبْعٍ، وَذَمَّ حالٍ، وبالله التَّوفيق.

[٢٥٤] قال أبو محمد - رضي الله عنه -: فاعترضَ هاهنا إنسانٌ، فقال: كان الحسنُ - رضي الله عنه¹ - إذا نهى عن شيءٍ لا يأتيهِ أصلاً، وإذا أمرَ بشيءٍ كان شديدَ الأخذِ به. وهكذا تكونُ الحِكْمَةُ، وقد قيل: أقبحُ شيءٍ في العالمِ أن يأمرَ بشيءٍ لا يأخذُ به في نفسه، أو ينهى عن شيءٍ يَسْتَعْمِلُهُ.

قال أبو محمد: كَذَبَ قائلُ هذا، وأقبحُ منه مَنْ لم يأمرْ بخيرٍ، ولا نهى عن شَرٍّ، وهو مع ذلك يعملُ الشَّرَّ، ولا يعملُ الخَيْرَ.

قال أبو محمد: وقد قال أبو الأسود الدؤلي²:

لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ
وابْدَأْ بِنَفْسِكَ فانْهَهَا عَنْ غَيِّها ... فإذا انْتَهَتْ عَنْهُ فأنْتَ حَكِيمُ
فَهُناكَ يُقْبَلُ إنْ وَعَظْتَ ويُقْتَدَى ... بالعِلْمِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التَّعْلِيمُ³

قال أبو محمد: إن كان أبو الأسود إنما قَصَدَ بالإنكارِ المجيءَ بما نهى عنه المرءُ، وأنه يَتَضاعَفُ قُبْحُهُ منه مع نَهْيِهِ عنه؛ فقد أحْسَنَ، كما قال الله - تعالى -: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] ولا يُظَنُّ بأبي الأسود إلا هذا. وأما أن يكونَ نهى عن النَّهْيِ عن الخُلُقِ المَذْمُومِ، فَنَحْنُ نُعِيذُهُ باللهِ مِنْ هذا؛ فهو فِعْلُ مَنْ لا خَيْرَ فيه.

وقد صَحَّ عن الحَسَنِ أنّه سَمِعَ إنساناً يقولُ: لا يَجِبُ أن يَنْهَى عن الشَّرِّ إلا من لا يَفْعَلُهُ. فقال الحَسَنُ: وَدَّ إبليسُ أنّهُ ظَفِرَ مِنّا بهذه؛ حتى لا يَنْهَى أحدٌ عن مُنْكَرٍ، ولا يَأْمُرَ بِمَعْرُوفٍ!

قال أبو محمد: صَدَقَ الحَسَنُ، وهو قولُنا - آنفاً.

جَعَلَنا اللهُ مِمَّنْ يُوَفَّقُ لِفِعْلِ الخَيْرِ، والعملِ به، ومِمَّنْ يُبْصِرُ رُشْدَ نفسه، فما أحدٌ إلا له عُيُوبٌ؛ إذا نَظَرَهَا شَغَلَتْهُ عن غيرِهِ، وتَوَفَّانا على سُنَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، آمين، آمين، ربَّ العَالَمِينَ.

***

(1) : المقصود بالحسن هنا هو الحسن البصري التابعي الجليل رضي الله عنه.

(2) : أبو الأسود الدؤلي: ظالم بن عمرو، قاضي البصرة ومن التابعيين وأول من تكلم في النحو.

(3) : الأبيات المذكورة لأبي الأسود مذكورة في «جامع بيان العلم» (1188).

🌐 تابع منصاتنا ومجتمعاتنا الرسمية

للمزيد من الكتب الحصرية، وأحدث الاقتباسات والمقالات الهادفة ؛ يسعدنا جداً انضمامكم إلى مجتمعاتنا عبر التطبيقات التالية:

تعليقات
تقييم القراء: