ذِكْرُ اسْتِحْبَابِ الاِعْتِزَالِ مِنَ النَّاسِ عَامَّةً

ذِكْرُ اسْتِحْبَابِ الاِعْتِزَالِ مِنَ النَّاسِ عَامَّةً
أدب العزلة

ذِكْرُ اسْتِحْبَابِ الاِعْتِزَالِ مِنَ النَّاسِ عَامَّةً

✍️ بقلم: الإمام أبو حاتم ابن حِبّان البُستي • 📚 من كتاب: المنتقى من كتاب روضة العقلاء ونزهة الفضلاء

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله، أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قال: «الجهادُ في سَبيلِ اللهِ» قال: ثم ماذا؟ قال: «رَجُلٌ في شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللهَ ويَدَعُ الناسَ من شَرِّهِ» ¹.

الواجب على العاقل لزوم الاعتزال عن الناس عامّةً مع توقّي مخالطتهم؛ إذ الاعتزال من الناس لو لم يكن فيه خصلة تُحمد إلا السلامة من مقارفة المآثم لكان حقيقًا بالمرء ألا يكدّر وجود السلامة بلزوم السبب المؤدّي إلى المناقشة.

العاقل لا يستعبد نفسه لأمثاله بالقيام في رعاية حقوقهم والتصبّر على ورود الأذى منهم ما وجد إلى ترك الدخول فيه سبِيلًا؛ لأنه إذا حسم عن نفسه ترك الاختلاط بالعالم والمخالطة بهم تمكَّن من صفاء القلب وعدم تكدُّر الأوقات في الطاعات.

ولقد استعمل العزلة جماعة من المتقدمين من العام والخاص معًا.

وأمّا السبب الذي يوجب الاعتزال عن العَالَم كافَّةً: فهو ما عرفتهم به من وجود دفن الخير ونشر الشَّرّ؛ يدفنون الحسنة ويظهرون السيئة؛ فإن كان المرء عالمًا بدَّعوه، وإن كان جاهلًا عيَّروه، وإن كان فوقهم حسدوه، وإن كان دونهم حقروه، وإن نطق قالوا: مهذار، وإن سكت قالوا: عِيٌّ، وإن قَدَر قالوا: مقتر، وإن سمح قالوا: مبذِّر؛ فالنادم في العواقب المحطوط عن المراتب من اغترّ بقومٍ هذا نَعْتُهُمْ، وغرَّه ناسٌ هذه صفتهم.

وأنشدني ابن أبي عليّ قال: أنشدني محمد بن يعقوب العبدي:

إذا قـلـتُ هــذا صـاحـبٌ قـد رَضِـيـتُـهُ ... وقَــرَّتْ بــهِ عـيـنـايَ بُــدِّلْـتُ آخَــرَا
وذلـكَ أَنِّــي لا أُصـــاحِـــبُ صــاحِــبًــا ... مِــنَ الــنَّــاسِ إِلا خَــانَــنِي وتَــغَــيَّــرَا
قال مكحول² : «إن كان في مخالطة الناس خيرٌ فالعزلةُ أسلَمُ».
قال إبراهيم البخاري: «دخلت المسجد الحرام بعد المغرب فإذا فضيل³ جالس، فجئت فجلست إليه فقال: من هذا؟ فقلت: إبراهيم. قال: ما جاء بك؟ قلت: رأيتك وحدك فجلست إليك قال: تحب أن تغتاب أو تتزين أو ترائي؟ قلت: لا، قال: قم عني»⁴ .
***

(1) رواه البخاري برقم (6464)، ومسلم برقم (1503)، وهناك زيادات يسيرة في ألفاظه.

(٢) هو مكحول، عالم أهل الشام، أبو عبد الله بن أبي مسلم الهذلي الفقيه الحافظ، مات سنة (113 هـ)، «تذكرة الحفاظ» (1/ 107)، «سير أعلام النبلاء» (5/ 155).

(٣) فضيل بن عياض التميمي شيخ الحرم. «تذكرة الحفاظ» (1/ 180).

(٤) انظر: «الآداب الشرعية» (2/ 114) لابن مفلح تستفد.

🌐 تابع منصاتنا ومجتمعاتنا الرسمية

للمزيد من الكتب الحصرية، وأحدث الاقتباسات والمقالات الهادفة ؛ يسعدنا جداً انضمامكم إلى مجتمعاتنا عبر التطبيقات التالية:

تعليقات
تقييم القراء:
★ ★ ★ ★ ★